gocorporation
download
كتاب التوحيد - 37
276
عناصر المادة:

.. صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن، أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠]، (...) وأصله أن سهيل بن عمرو الذي أرسلته قريش ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لما اتفق النبي عليه الصلاة والسلام وإياه على أن يكتبوا الكتاب، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أما الرحمن فلا، والله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم .فأنكروا الرحمن؛ لا المُسَمَّى ولكن الاسم، ما أنكروا المسمى، الرب عز وجل يُقرون به لكن أنكروا هذا الاسم، وقالوا: إننا لا نعرف رحمانًا إلا رحمن اليمامة، ولكن أنزل الله هذه الآية: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] أي: بهذا الاسم من أسماء الله تعالى، وقد قال الله سبحانه وتعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠] يعني: بأي اسم من أسمائه تدعو فإن له الأسماء الحسنى، كل أسمائه حسنى؛ الله، والرحمن، والرحيم، والحكيم، والملك، والقدوس، والجبار، والمتكبر، وغيرها من الأسماء كلها حسنى.وهذه الآية المراد بها الإنكار على قريش، وفيها دليل على أن من أنكر اسما من أسماء الله فقد كفر لقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ [الرعد: ٣٠] فسمى الله تعالى إنكارهم كفرًا، وهذا لا شك فيه أن من أنكر اسم من أسماء الله مما ثبت في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لماذا؟طلبة: (...).الشيخ: إي؛ لأنه تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فهو كافر، وقوله: (ولما سمعت قريش) هذا -الظاهر والله أعلم- أنه من باب العام الذي أريد به الخاص، وأنه ليس كل قريش تنكر ذلك، بل طائفة منهم، ولكن الطائفة من الأمة إذا أقرتها الأمة ولم تنكر فهو قول لهم جميعًا، بل إن الله تعالى نسب إلى اليهود في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فعله أسلافهم في عهد موسى وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة: ٦٣]، وهل هذا كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في عهد المخاطبين؟ لا.ثم قال المؤلف: (فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات) يعني: بسبب جحد و(عدم) بمعنى: انتفاء؛ يعني انتفاء الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات، وقد سبق أن الجحد نوعان، ما هما؟جحد تكذيب وجحد تأويل، فأما جحد التكذيب فهو كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله، وأما جحد التأويل ففيه تفصيل؛ إن كان له مساغ في اللغة العربية فليس بكفر، وإن لا فهو كفرٌ؛ لأن ما لا مساغ له معناه الإنكار.(ثانيًا: تفسير آية الرعد): وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] هي في الرعد؟طالب: بـ(الإسراء).طالب آخر: بـ(الرعد).الشيخ: بـ(الرعد)؟ متأكدون؟طلبة: إي نعم.الشيخ: نعم في الرعد.(الثالث: ترك التحديث بما لا يفهم السامع) قوله: (ترك التحديث بما لا يفهم السامع) تقدم أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما يحدث به العموم -عموم الناس- والذين يُخشى عليهم منه فماذا نصنع معهم؟ نبلغهم إياه بالتدرج وإلا فلا نكتم الحق لعدم فهم الناس له بل الواجب علينا أن نبين الحق، ولكن الذين لا يدخل عقولهم نتدرج معهم به، وإلا فلو أن كل ما أنكره الناس تركناه لتركنا كثيرًا من الأمور العلمية الخبرية والعلوم العملية الحكمية.لو قلنا: إن الناس الذي لا يبلغ عقولهم أو لا يعرفونه نتركه؛ تركنا كثيرًا من العلوم الخبرية ومن العلوم الحكمية، الخبرية: يعني ما سنده الإخبار، والعملية ما هو معمول به، كثير من السنن يجهلها بعض الناس وينكرونها، نقول: والله لا تفعل؛ لأن الناس ينكرون، أو نقول: افعل وتدرج بالناس، هذا هو الحق.مثال ذلك في الأمور العملية: بعض الناس يقول: لا تسجد للسهو بعد السلام؛ لأن الناس يستنكرون ذلك، إذا استنكروا ذلك ندع السنة؟ بل إنهم إذا استنكروا ذلك كان فعلها أوكد مما لو كانوا يُقرون بذلك؛ السبب؟ لوجوب البيان حينئذ؛ لأن بيان السنة واجب، بيان السنة غير العمل بالسنة؛ يعني يجب أن تُبين السنة، لكن العمل بالسنة سنة ما هو واجب، فإذا ماتت هذه السُنة وجُهِلت بين الناس وجب علينا أن نفعلها -نحن طلبة العلم- حتى تتبين للناس، ثم من شاء فعلها وأُجِر، ومن شاء لم يفعلها ولا وِزْر.إذن قول علي: حدثوا الناس بما يعرفون ، وقول المؤلف -رحمه الله: عدم التحديث بما لا يفهم السامع، ماذا نقول فيه؟ هو على إطلاقه؟ ليس على إطلاقه.يقول: (الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله) ذكر العلة في عدم التحديث، وهو أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، من الذي يكذب الله ورسوله؟ هو الذي لا يَبْلغ عقله ما حُدِّث به فيكذب، ويقول هذا غير ممكن، وهذا كما يوجد في أشياء كثيرة مما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون يوم القيامة،كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَخُبْزَةٍ فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَكَفَّؤُهَا بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ الْإِنْسَانُ خُبْزَتَهُ ، وما أشبه ذلك.كما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر، مثل هذه الأمور لو حدثنا بها إنسانًا عاميًّا كالعادة ما يصير، لكن يجب أن تبين له بالتدريج حتى يتمكن من عقلها، مثل ما نعلم الصبي شيئًا فشيئًا.قال المؤلف: (أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكِر) ويش لون (ولو لم يتعمد)؟ يعني المنكر لما كذبها ما هو يقصد تكذيب الله ورسوله، لكن يقصد أن نسبة هذا الشيء إلى الله ورسوله كذب، خدوا بالكم من الفرق، أن يُكذب، قد لا يتعمد المنكر الذي لم يبلغ عقله هذا الشيء ما يتعمد أنه يكذّب الله ورسوله نفسهما لكن يكذّب نسبة ذلك إلى الله ورسوله، نسبة ذلك ويقول هذا ما يمكن.وهنا فرق بين الأمرين أو لا؟ هنا فرق، هذا ما كذَّب الله، ما قال: نعم، الله قال كذا، لكن هذا كذب. أو: الرسول قال هذا ولكن كذب. قال: لا، ما يمكن يقوله الله ورسوله. يريد أن يكذب نسبة ذلك إلى الله ورسوله، ولهذا قال: (ولو لم يتعمد المنكِر) هو ما تعمد أن يكذب الله ورسوله، لكنه كذَّب نسبة ذلك إليهما، وهو بالتالي يعود إلى رد هذا الخبر عن الله ورسوله.(الخامسة: كلام ابن عباس لمن أنكر شيئًا من ذلك: وأنه أهلكه) أو (أنه هلَكه) يعني إنكاره كلام ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ما فرق هؤلاء يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه ؛ يعني أن المحكم يلينون عنده ويقبلونه، وأما المتشابه فإنهم يهلكون عنده، هذا كلام ابن عباس رضي الله عنه. طالب: (...).

الشيخ: ثم قال المؤلف: (باب قول الله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا [النحل: ٨٣]) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِهل المراد يعرفون أن هذه نعمة؟ أو يعرفون أن النعمة من الله؟ هذا هو المراد، أما كونهم يعرفون أن هذه نعمة فقط يعرفون، لكنهم (...) يعرفون أن هذه من الله، (نعمة) مضاف و(الله) مضاف إليه من باب إضافة الموجَد إلى الموجِد، هم يعرفون أن النعمة من الله، يعرفون ذلك لكنهم ينكرونها بما سيذكر في تفسير الآية.وقوله: نِعْمَتَ اللَّهِهي واحدة والمراد بها الجماعة؛ يعني: ليست فردًا، بل هي لا تُحصى، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، وقد مر علينا في القواعد الأصولية أن المفرد المضاف يفيد العموم، الدليل مثلنا به: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.وقوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا [النحل: ٨٣] أي: ينكرون إضافتها إلى الله بكونهم يضيفونها إلى السبب، يضيفونها إلى سببها متناسين المسبب؛ وهو الله سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، فيقولون مثلًا: ما جاءنا ولد، ما جاءنا مطر، ما جاءنا صحة، ما هم يقولون هكذا، لكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله؛ إلى سببها، متناسين الخالق الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب.يقول المؤلف: (الآية) ويش معنى (الآية) يعني: إلى آخر الآية، وهي منصوبة لفعل محذوف تقديره: أكمل الآية، قال: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل: ٨٣] أو الكاذبون؟طلبة: الْكَافِرُونَ.طالب: مكتوبة عندنا.الشيخ: مكتوبة وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَيعني: أكثرهم الكافرون الذين كفروا بالله عز وجل، وقوله: وَأَكْثَرُهُمُبعد قوله: يَعْرِفُونَفي الجملة الأولى أضافها إلى الكل، وفي الثانية أضافها إلى الأكثر؛ وذلك لأن منهم من هو عامي ما يعرف ولا يفهم، لكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون بذلك، ما مناسبة هذا الباب للتوحيد؟مناسبته ظاهرة أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره فقد جعل معه شريكًا في الربوبية، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات، وترك الشكر منافٍ للتوحيد؛ لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم سبحانه وتعالى، فصارت لها مساس، أو لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة.فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو عبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية، قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل هذا مالي ورثته عن آبائي. مجاهد هو إمام (...) في التابعين، عرض المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما، يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها ، قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . يعني: فهو كافيك، ولكن مع ذلك ليس هو معصومًا من كل شيء، قد يَخْطَأ كما يَخْطَأ غيره من الناس، ولكن يقول: هو قول الرجل دون المرأة هذا من باب التغليب والتشريف أيضًا؛ لأن الرجل أشرف من المرأة.قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي، هذه الكلمة بظاهرها ما فيها شيء، لو قال لك واحد: منين لك هذا البيت؟ ها البيت لك ولّا مستأجره؟ قال: لا، هذا بيتي. منين؟ ورثته عن آبائي فيها شيء دي، هذه ما فيها شيء، هذه خبر محض، لكن مراد مجاهد: إذا أضاف تملك هذا الشيء إلى السبب -الذي هو الإرث- متناسيًا المسبب الذي هو الله، إرثك إياه بأي وسيلة؟ بشرع الله عز وجل، حيث شرع أن ترث ما خلفه آباؤك، فإذن تحصيلك إياه بحولك وقوتك؟ لا، ولكنه بشرع الله عز وجل وبتقديره بالنسبة لآبائك، آباؤك لولا أن الله سبحانه وتعالى أنعم عليهم به وملكوه ما حصلوه، وأنت لولا أن الله شرع لك إرثه ما حصّلته.ولهذا لو كان فيك مانع من موانع الإرث ما حصّلت هذا، فتبين أن وصول هذا المال إليك من الله وإلى الله، من الله تعالى؛ لأنه هو الذي أوجد ذلك البيت ويسر لآبائك ملكه، وإلى الله يعود إلى حكمه؛ لأنه هو الذي حكم بأن مال آبائك ينتقل إليك بالإرث، فكيف تتناسى المسبب سبحانه وتعالى بالأسباب القدرية والأسباب الشرعية، وتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم، هذا من هذه الزاوية صار نوعًا من كفر النعمة.أما إذا كان الإنسان قصده مجرد الخبر؛ كما مثلنا في الأول: رجل سألك هل هذا البيت الذي أنت فيه مستأجر أم لا؟ فقلت: لا، هو ملكي. من أين جاءك؟ ورثته من آبائي. ما فيها شيء، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قيل له يوم الفتح: ألا تنزل؟ أو قيل: أتنزل في دارك غدًا؟ فقال: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ رِبَاعٍ» ، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذه الدور انتقلت إلى من؟ إلى عقيل بالإرث، وبهذا تبين أن هناك فرق بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر، وبين إضافته إلى سببه متناسيًا المسبب وهو الله عز وجل.(وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا) هذه أيضًا مثل الأولى، يطلقها الإنسان تارة يريد بها الخبر ويطلقها الإنسان مريدًا بها بيان السبب متناسيًا المسبب حطيتوا بالكم؟ فإذا أطلقها مريدًا بها الخبر وكان الخبر مطابقًا صحيحًا صدقًا فهي كلمة لا بأس بها، ما فيها شيء، لولا فلان لم يكن كذا، ما فيها شيء.وإذا قصد السبب: لولا فلان لم يكن كذا، إذا قصد السبب فإننا ننظر أولًا هل هذا السبب صحيح أم لا؟ إن كان غير صحيح فهو باطل ونوعٌ من الشرك، كما لو قال: لولا الولي فلان -وهو مدفون له عشرات السنين- لم يكن كذا. نقول: هذا شرك باطل؛ لأن فلانًا المدفون لا يكون سببًا في جلب النفع أو دفع الضرر عنك، ونسبة ذلك إليه شرك، وعلى هذا فيكون شركًا أكبر؛ لأنه جعله مدبرًا مع الله عز وجل، إذ أن الميت ما يُنسب إليه شيء، إلا لأن الناسب يعتقد أن له تصرفًا في الكون، تصرف سري خفي.وإن أضافه إلى سبب صحيح ثابت بالشرع أو بالحس يجوز ولّا لا؟ يجوز بشرط ألا يجعل السبب مؤثرًا، فإن جعل السبب مؤثرًا فإنه يكون من الشرك هذه اثنين، الثالث: أن يضيفه إلى سببٍ غير شرعي لكنه ليس سببًا سريًّا خفيًا كمسألة الميت، فهذا شرك أصغر مثل التمائم والتولة وما أشبه ذلك إذا لم يعتقد أنها فاعلة بنفسها، فإن أعتقد أنها فاعلة بنفسها فإنه لا يجوز.فتبين بهذا الآن أن قول الإنسان: لولا كذا لم يكن كذا نجعله أولًا قسمين: إما أن يكون خبرًا أو سببًا إن كان خبرًا، فإن هذا لا بأس به إذا كان صدقًا، إذا كان صدقًا مطابقًا للواقع فهو صدق.الثاني: أن يجعله سببًا، وهذا له ثلاث حالات:إما أن يكون هذا سببًا خفيًّا لا تأثير له إطلاقًا، كأن يقول: لولا الولي فلان ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا تصرف في الكون، إذ أنه ميت، فهذا تصرف سري خفي.الثاني: أن يضيفه إلى سبب شرعي أو إلى سبب صحيح ثابت شرعًا، ما تقولون؟ هذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه أو أن يتناسى المنعم بذلك، وهو الله.الثالث: أن يضيفه إلى سبب ظاهر لكنه لم يثبت كونه سببًا لا شرعًا ولا حسًّا، فهذا نوع من الشرك الأصغر مثل التولة والقلائد، (...) بها، بعض الناس يقولون: هذه تدفع العين، وما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه ما ثبت لا شرعًا ولا حسًّا.وقد تقدم لنا أن وجه كونه شركًا هو أن هذا الإنسان أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا فكان مشاركًا لله سبحانه وتعالى في إثبات الأسباب، والله تعالى لم يجعلها سببًا لا شرعًا ولا كونًا، ويدل على هذا التفصيل أنه ثبت إضافة لولا إلى السبب ثبت بقول الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال: في عمه أبى طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، قال: «لَوْلَا أَنَا» النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه أبعد الناس عن الشرك، وأنه أخلص الناس توحيدًا لله عز وجل، ومع ذلك قال: «لَوْلَا أَنَا» فأضاف الشيء إلى سببه، لكنه سبب حقيقي شرعي ولّا لا؟نعم، سبب حقيقي شرعي هو أنه أُذن له في الشفاعة لعمه أبي طالب بأن يخفف الله عنه، فكان -والعياذ بالله- في ضحضاح من نار عليه نعلان يغلي منهما دماغه لا يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا؛ لأنه لو يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه هان عليه بالتسلي، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر قالت:
وَلَـــــوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِــــــينَ حَـــــــوْلِي عَلَى إِخْـــــــــــــــــــوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَـــــــــا يَبْكُــــــــونَ مِـــــــــــــثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسِلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
فالحاصل أن إضافة الشيء إلى سببه الشرعي الصحيح هذا ما فيه بأس، ابن القيم -رحمه الله- وإن كان قول العالم ليس بحجة لكنه يستأنس به، ابن القيم قال في القصيدة الميمية وهو يمدح الصحابة قال:
............................. وَلَوْلَاهُمُ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمُ
وَلَـــــوْلَاهُمُ كَــــــادَتْ تَمِيـــــــــدُ بِأَهْلِــــــهَا وَلَكِــــــنْ رَوَاسِيـــــــهَا وَأَوْتَادُهَـــــــا هُــــــمُ
وَلَــــوْلَاهُـمُ كَـــــانَتْ ظَـــــلَامًا بِأَهْلِـــــهَا وَلَكِــــــــنْ هُــــمُ فِيــــــــهَا بُـــدُورٌ وَأَنْجُــــــمُ
فأضاف هذا إلى سببه الصحيح، ولا شك إنه لولاهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في معية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لا استضاءة لهم إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم.طالب: (...).الشيخ: هذه الأنواع سبق لنا أننا قلنا: إذا قصد أن تكون ظرفًا فلا بأس.وأما سببًا إن كان يقصد أنها فاعلة بنفسها فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب شرك أصغر.(وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) أعوذ بالله، ها دولا أخبث من الأولين (يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) هؤلاء مشركون يقولون: آلهتنا يعبدون غير الله، ثم يقولون: إن ما حصل لنا من النعم بشفاعتها، اللات شفعت عند الله أن ينزل المطر فنزل، العزة شفعت عند الله أن ينزل المطر فنزل، فيقولون: إن هذه النعم بشفاعة آلهتنا، ما يقولون: بآلهتنا؛ لأنهم هم لا ينكرون توحيد الربوبية، لكن يقولون: بشفاعتها.نقول: هؤلاء أثبتوا سببًا باطلًا مع كونهم مشركين، وهذا السبب الذي أثبتوه من أبطل الأسباب؛ لأن الله عز وجل لا يقبل شفاعة آلهتهم، قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩]، والله عز وجل لا يأذن لهذه الأصنام بأن تشفع لعابديها.طالب: الشرك الأصغر (...) مات الإنسان وفيه شرك أصغر، (...) يغفره الله عز وجل (...).الشيخ: هذا فيه خلاف بين أهل العلم، وشيخ الإسلام يقول: إن الله لا يغفره لعموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ١١٦] وبعض العلماء يقول: إن المراد بالشرك في الآية الشرك الأكبر، هو على كل حال المشرك ولو شرك أصغر على خطر، ولكن الشرك الأصغر أعظم من الكبائر كما قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقًا .طالب: (...).الشيخ: إي نعم، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] ما يمكن (...) عام.طالب: والراجح (...).الشيخ: والله أنا إذا نظرت إلى إطلاق الآية: لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِيترجح عندي ما قال الشيخ رحمه الله، وإذا نظرت إلى أن هذا دون الشرك الأكبر؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦] وقال في الآية الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨]، فهذا يدل على أن المراد بالشرك الشرك الأكبر، فأقول: إن المشرك شركًا أصغر على خطر، ويجب عليه أن يتوب.وقال: (يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) إذن هذا أبطل من الذي قبله؛ لأن فيه محظورين: إثبات سبب ليس بصحيح، والثاني: الشرك بهذه الأصنام، وهذا من أكذب ما يكون من القول.(وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه) إلى آخره، (قال أبو العباس) هو شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله، سُمي بذلك؛ لأن له ولدًا اسمه العباس دفن إلى جنبه، كما عند المسجد الأموي، إذا أتيت إلى المسجد الأموي قالوا لك: هذا أحمد ابن تيمية، وهذا قبر ابنه إلى جنبه، كأنه وُلد له من غير زوجة، أو لا؟ إذن العباس ولدهُ؟ طلبة: (...).الشيخ: نعم، هذا كذب، شيخ الإسلام ما تزوج -رحمه الله- فهو مكنى بهذه الكنية لكن بدون أن يكون له ولد، وهذا شيء لا شك فيه من الناحية التاريخية.(قال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ...» الحديث، وقد تقدم) وين تقدم؟طلبة: (...).الشيخ: في الأنواء، نعم.يقول: (وهذا كثير في الكتاب والسنة)، (وهذا) المشار إليه إثبات الكفر لمن أضاف النعم إلى السبب متناسيًا المسبب، أو إلى سبب غير صحيح كما في الاستسقاء بالأنواء، فإن هذا السبب غير صحيح.يقول: (وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به) وهذا الذي يضيف إنعام الله إلى غيره مستحِق للذم؟طلبة: (...).الشيخ: نعم، مستحق للذم، لو أتى إليك عبد فلان بهدية منه؛ من فلان، فشكرت العبد دون السيد ويش يعتبر هذا؟ سوء أدب مع السيد، وكفران لنعمة السيد، ونسبة هذا المملوك إلى سيده أكثر من نسبة الأسباب إلى الخالق عز وجل، فإذا أضفت الشيء إلى السبب دون الخالق فهذا أقبح مما إذا أضفت هذه الهدية إلى العبد دون سيده، وهي من سيده، والله عز وجل هو الخالق للأسباب، فلا تضف النعم إلى أسبابها، لماذا؟ أولًا: لأن خالق السبب من هو؟ طلبة: الله.الشيخ: فكان الواجب هو الذي يُشكر وتُضاف النعمة إليه. ثانيا: أننا نجد الأسباب قد لا تؤثر.

كقوله تعالى: قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة: ٥٦]، معنى يَفْرَقُونَ: يخافون، أما على رواية فرَّق أو فرَق، فرَقه بمعنى فرَّقه، كقوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ [الإسراء: ١٠٦]؛ يعني: فرَّقناه، ففرَق وفرَّق بمعنى واحد، على هذه الرواية فرَّق وفرَق تكون فرَق هذه فعلًا ماضيًا.
و(ما) يحتمل أن تكون نافية، ويحتمل أن تكون استفهامية، على كونها نافية فالمعنى ما فَرَّق هؤلاء بين الحق والباطل؛ يعني: لم يفرقوا بين الحق والباطل، فجعلوا هذا من المتشابه وأنكروه، ما حملوه على المحكم.
ويحتمل أن تكون (ما) استفهامية؛ يعني: أي شيء فرَّقهم أو أي شيء فرَقهم؟ فجعلهم يؤمنون بالمحكم ويهلكون عند المتشابه.
والخلاصة أن في هذه اللفظة ثلاث روايات: فرَق، وفرَّق، وفَرَقوا، على رواية: فَرَقوا تكون (ما) مبتدأ، و(فرقوا) خبر المبتدأ؛ يعني: ما خوفهم؛ أي شيء يخيفهم إذا أثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وعلى رواية فرَق وفرَّق تكون فرَّق وفرَق فعلًا ماضيًا، و(ما) يحتمل أن تكون استفهامية ويحتمل أن تكون نافية.
وأيًّا كان فإنها تدل على الذم لهؤلاء تدل على ذمهم، أن ابن عباس رضي الله عنه ذمَّهم على هذه الحال التي هم عليها، قال: يجدون رقة عند محكمه -يجدون رقة؛ الرقة معناها اللين والقبول، عند مُحكمه؛ أي: محكم القرآن- ويهلكون عند متشابهه ؛ أي: متشابه القرآن، فما هو المحكم وما هو المتشابه؟ المحكم هو الذي اتضح معناه وتبين، هذا نسميه محكمًا، والمتشابه هو الذي يخفى معناه، ما يعلمه الناس، والمتشابه نرجع إليه إن شاء الله.
المحكم إذن ما اتضح معناه، والمتشابه ما خفي معناه، وهذا إذا جُمع بين المحكم والمتشابه، صار المحكم ما اتضح معناه، والمتشابه ما خفي معناه، فأما إذا أُفْرِد المحكم أو أُفْرِد المتشابه فإن المحكم معناه المُتقَن الذي ليس فيه خلل، لا كذب في أخباره ولا جور في أحكامه.
إذا أُفرد المحكم ولم يُذكر معه المتشابه صار مرادف المحكم: المتقن الذي ليس فيه خلل، لا كذب في أخباره ولا جور في أحكامه، كما قال تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥].
وقد ذكر الله تعالى الإحكام في القرآن دون المتشابه في عدة آيات، مثل قوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان: ٢]، وكما في قوله تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١]، ووصف الله القرآن كله بأنه مُحكم، بهذا المعنى يكون مُحكم؛ أي: متقن، ليس فيه خلل، لا كذب في الأخبار ولا جور في الأحكام.
وإذا ذُكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضًا في جودته وكماله، إذا ذكر الله أنه متشابه فقط ولا ذكر معه محكم، صار المراد به أن بعضه يشبه بعضًا في الكمال والجودة، ويصدق بعضه بعضًا ولا يتناقض، مثاله قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] كِتَابًا مُتَشَابِهًايعني: يُشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة، ويصدق بعضه بعضًا ولا يتناقض وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
وهذا كقوله تعالى في ثمر الجنة، يقول: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] يعني: يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة، وإن كانَ يختلف من بعض الوجوه.
إذن القرآن وُصِف مرةً بأنه محكم دون أن يُقرن بالمتشابه، ومرة بأنه متشابه دون أن يُقرن بأنه محكم، ومرة بأنه محكم مقرونًا بمتشابه، كذا؟
الأول المحكم بدون أن يُقرن بمتشابه أي؟
طالب: أي متقن.
الشيخ: أي متقن؛ لأن الإحكام بمعنى الإتقان، متقن، كَمِّل؟
طالب: مُتقن يعني..
الشيخ: ليس فيه خلل؛ لا كذب في أخباره ولا جور في أحكامه، ومثاله؟ وصفه بأنه محكم فقط؟
طالب: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: ١].
الشيخ: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١]، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]؛ أي: المحكم، إذا كان متشابهًا دون أن يُذكر معه المحكم؟
طالب: (...).
الشيخ: في الكمال والجودة، وتصديق بعضه بعضًا، وعدم التنافر والتناقض، إذا كان محكمًا ذُكر معه المتشابه، صار المحكم ما اتضح معناه، والمتشابه ما خفي معناه، صار هذا المحكم والمتشابه.
والتشابه نوعان: نوع تشابهه نسبي، ونوع تشابهه مطلق، ويش الفرق بين المطلق والنسبي؟ المطلق: الذي يكون متشابهًا لكل أحد، كل أحد ما يعرفه، خفي عليه، والنسبي: هو الذي يخفى على ناس دون ناس، يكون بعض الناس ما يشتبه عليهم، وبعض الناس يشتبه عليهم.
بناءً على هذا، على تقسيم المتشابه إلى متشابه تشابهًا مطلقًا ومتشابه تشابهًا نسبيًّا، على هذا ينبني الوقف في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧]، فعلى الوقف إِلَّا اللَّهُيكون المراد بالمتشابه التشابه المطلق؛ اللي ما يعلمه أحد، نعم، هذا ما يعلم أحد تأويله، وعلى الوصل وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِيكون هذا التشابه النسبي.
وللسلف في هذه الآية قولان؛ قول بالوقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ، وهذا هو الذي عليه أكثر السلف، يقفون على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وعلى هذا فالمتشابه هنا التشابه المطلق اللي ما يُمكن أحد يعرفه مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُمثل أيش؟
طالب: صفات الله.
الشيخ: قال العلماء: مثل.. لا، ما هو مثل صفات الله، مثل كيفية صفات الله، وحقائق صفات الله، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة ومن عذاب النار، هذه الحقائق ما ندركها نحن، كل أحد ما يدركها، هل أنت تدرك الآن طعم الفاكهة اللي في الجنة والنخل والرمان؟ ما تدرك هذا، ولا تدرك حقيقته، ولهذا قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء .
سُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥] نعرف أن الماء الحميم يعني: الماء الحار، لكن ما نتصور حرارة ماء النار، والعياذ بالله، ما نتصور هذه الحرارة، حرارة ما لها نظير في الدنيا؛ لأن نار الآخرة فُضِّلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، إذن هذا من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وأما على قراءة: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِفالمراد بالتشابه التشابه النسبي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم، ويكون على غيرهم مشتبهًا.
ولهذا يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله ، ما قاله مدحًا لنفسه أو ثناء على نفسه، ولكن قاله ليُعلِم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يُعرف معناه، فالمعنى: معاني القرآن كلها بَيِّنة، لكن بعض القرآن يشتبه على ناس ويتضح لأناس آخرين، وهذا صحيح ولّا لا؟ صحيح، حتى العلماء الراسخون في العلم أحيانًا يختلفون في معاني القرآن.
وهذا يدل على أنه خفي على بعضهم؛ لأن الصواب -بلا شك- قول أحدهم، إذا كانت الأقوال متضادة، أما إذا كانت الأقوال مختلفة اختلاف تنوع فإنه لا تضاد بينها، لكن أحيانًا يكون آراء المفسرين تختلف اختلافًا ضديًّا؛ يعني: بعضها ضد بعض، ما يمكن يُجمع بينها، فهذا لا شك أن الصواب مع أحدهما إذا كانت الآية لا تحتمل معنيين، فإن كانت تحتمل المعنيين كما سبق فإنها تُحمل عليهما جميعا، والحاصل..
طالب: (...) فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُثم موقف أهل العلم يقولون: آمَنَّا بِهِلو كانوا يعلمون المتشابه ما أصابهم من ذنب (...).
الشيخ: القول بأن المتشابه هو الذي لا تُعلم حقيقته يكون لا يعلمه إلا الله، وموقف الراسخين منه أنهم يؤمنون به وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، لا المحكم البيِّن ولا الخفي، يؤمنون به، وأما على قراءة الوصل: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] فهي أيضًا واضحة جلية أن الراسخين في العلم يؤمنون به يعلمون معناه، ويَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَافلا تناقض فيه؛ لأن أهل الزيغ يأتون بالمتشابه لأجل يصدون الناس ويوقعونهم في التشكيك.
مثال ذلك فيه آيات ظاهرها التعارض، أهل الزيغ يأتون بهذه الآيات المتشابهات لإيقاع الفتنة والصد عن سبيل الله والتشكيك في القرآن، مثلًا قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢] يُقرُّون ولّا يُنكِرون؟
طالب: يُقرون.
الشيخ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًايُقِرّون، وفي آية أخرى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، أقروا ولّا أنكروا؟ يجي واحد من الزائغين يقول: تعال يا شيخ شوف القرآن متناقض! ربما يُلبس على عامة الناس، لكن الراسخين في العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] فلا تناقض فيه وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] ما يتناقض.
فالناس يوم القيامة لهم أحوال، ويوم القيامة ما هي بلحظة فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤]، يمكن ساعة يُقرّون وساعة ينكرون، حسب ما يظنون أن ذلك ينفعهم، يجي واحد أيضًا يقول: تعال، القرآن يقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] صح؟ ويقول: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]، الزائغون يقولون هذا، يريدون هذه الأشياء، أليس كذلك؟ ويش نقول؟ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ [آل عمران: ٧] نحن نعلم وجه هذا القول كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَافلا تناقض فيه، كيف ذلك؟ يقولون: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] أي أنك أنت سببها؛ لقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
وأما وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]، فهذا في رد قول المشركين أنك يا محمد ليس لك دخل في إصابتهم بالنكبات، النكبات منين؟ من الله، أنت ما لك دخل، وهذا كقوله تعالى: قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النمل: ٤٧] ما هو مني أنا، فما أصابكم من الجدب وغيره ليس مني أنا.
وهكذا يتبع أهل الزيغ ما تشابه في القرآن يقول لك إن الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، وفي آية أخرى يقول: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] متشابه، أليس كذلك؟ أهل الزيغ يتبعون هذا وأهل الحق الراسخون في العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، ويؤمنون به ويحملون كل واحد على وجه لا يخالف الآخر، فـإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] هداية التوفيق وإنما هداية التوفيق بيد من؟ بيد الله }وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ{ [الشورى: ٥٢] هذه هداية الدلالة.
يجي صاحب الزيغ أيضًا يقول إن الله يقول: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] فأثبت أن له يدين، ولكنه يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، فأثبت أنه لا مثيل له، كيف يُثبت يدًا وفي آية يقول ما له مثيل؟ هذا تناقض؛ ولذلك لما اتبعوا المتشابه ويش قالوا؟ قالوا: ليس لله يد. فأنكروا اليد بناء على هذه الشبهة التي حصلت لهم، واضح؟ والراسخون في العلم يقولون أبدًا هذا لا يتناقض، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، ونحن نقول: لله يدان لكن لا تماثل أيدي المخلوقين،كما أن المخلوقات بعضها مع بعض لا تتماثل مع اتفاقها في الاسم أو لا؟ نقول لهذا الرجل اللي أورد علينا هذه الشبهة: تعالَ يا رجل هل عندك هر وعنده هر؟ نعرف أن عنده هر في البيت، فسيقول؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هل لهرك يد؟ فسيقول: نعم، هل يد هرك كَيَدِك؟ سيقول: لا، فنقول إذا كان هذه تختلف مع أنها مخلوقات يختلف بعضها مع بعض، وهي مخلوقات كلها، فما بالك بالفرق العظيم بين الخالق والمخلوق، وهكذا نقول في بقية الآيات المتشابهات.
طالب: (...) والجمل له يد يا شيخ.
الشيخ: (...) والجمل له يد، المهم على كل حال أن الآية تحتمل معنيين ولا شك، أن يُراد بالمتشابه المتشابه تشابهًا مطلقًا، وحينئذ يكون الوقف على الله وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]، ويُراد بالمتشابه المتشابه النسبي الذي يخفي على بعض دون بعض، وحينئذ يكون الوقف هذا أيش؟
طالب: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.
الشيخ: يكون على وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِويوصل، واعلم أن بعض أهل العلم -رحمهم الله- من المحققين يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه؛ يعني فيكون من باب التشابه المطلق، ثم يحملون آيات الصفات على ذلك، ويقولون: إنها من المتشابه، فلا يعلم تأويلها إلا الله، وهم في ذلك أخطؤوا خطأ عظيمًا؛ لأنه ليس من المعقول أن الله يقول: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إليكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، كِتَابٌلِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِإلا آيات الصفات، استثنى ولّا ما استثنى؟ ما استثنى لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.
وآيات الصفات كثيرة في القرآن أكثر من آيات الأحكام، وهي أعظم وأشرف وأوجب من آيات الأحكام، فإذا قلنا: إن آيات الصفات ما يُعرف معناها؛ معناه: أن نصف القرآن، وأهم ما في القرآن يكون معناه خفيًّا، ويكون معنى لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] محصورًا على آيات الأحكام فقط، وهذا أمر لا يمكن أن يقوله عاقل يتصور ما يقول، بل نقول: إن القرآن كله يُفهم معناه، ما فيه شيء ما يُفهم معناه أبدًا، ليس فيه شيء لا يُفهم معناه، ولكن الخطأ في الفهم قد يقصر الفهم عن إدراك المعنى، فلا يدركه هذا ممكن ولّا لا؟
وقد يفهمه على معنى خطأ، وهذا ممكن، أما أن نقول: كل الأمة من رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى آخر واحد من هذه الأمة لا يفهم معنى القرآن في آيات الصفات فهذا شيء لا يمكن أن يقوله عاقل، يتصور ما يقول على رأيهم يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان والصحابة جميعًا يقرؤون هذه الآيات؛ آيات الصفات، وهم ما يفهمون معناها عندهم بمنزلة الحروف الهجائية، بمنزلة: ألف، باء، تاء، ثاء، إلى آخره.
هذا ما هو معقول، ولذلك الصواب بلا شك أنه ليس في القرآن شيء يكون معناه متشابهًا تشابهًا مطلقًا على جميع الناس، أما حقائقه فنعم، حقائقه مشتبهة على جميع الناس؛ لأن هذه الحقائق ما تدرك إلا بأن يُخبَر عنها، أو أن يتوصل الإنسان إليها بنفسه فيدركها يوم القيامة مثلًا.
طالب: شيخ معنى الآية: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١].
الشيخ: الإحكام بمعنى الإتقان، وثُمَّهذه للترتيب الذكري؛ يعني: أُحكمت وفُصِّلت، هذا المعنى، وقد يتبادر منها أن أُحْكِمَتْيعني: أُجملت؛ لأنه قال: ثُمَّ فُصِّلَتْ، ولكن المعنى أنها أُتقنت مع التفصيل.
طالب: (...) إلى مطلق ونسبي يكون فقط محصورًا على حقائق الأشياء.
الشيخ: نعم الحقائق هي المطلق، التشابه المطلق.
الطالب: على هذا (...).
الشيخ: إي نعم، إذا حملنا التشابه على التشابه المطلق نقف.
طالب: بس هنا التأويل وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ [آل عمران: ٧]، التأويل: هو التفسير.
الشيخ: لا، التأويل يُطلق على معنيين؛ تأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول إليه كما في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣]، وكما في قول يوسف لما سجدوا له ويش قال؟ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ [يوسف: ١٠٠]، هذا التأويل؛ يعني هذه الحقيقة (...) ما هو بتفسيرها (...).

باب: من جحد شيئًا من الأسماء والصفات
00:28:41

.. صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن، أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠]، (...) وأصله أن سهيل بن عمرو الذي أرسلته قريش ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لما اتفق النبي عليه الصلاة والسلام وإياه على أن يكتبوا الكتاب، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أما الرحمن فلا، والله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم .
فأنكروا الرحمن؛ لا المُسَمَّى ولكن الاسم، ما أنكروا المسمى، الرب عز وجل يُقرون به لكن أنكروا هذا الاسم، وقالوا: إننا لا نعرف رحمانًا إلا رحمن اليمامة، ولكن أنزل الله هذه الآية: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] أي: بهذا الاسم من أسماء الله تعالى، وقد قال الله سبحانه وتعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠] يعني: بأي اسم من أسمائه تدعو فإن له الأسماء الحسنى، كل أسمائه حسنى؛ الله، والرحمن، والرحيم، والحكيم، والملك، والقدوس، والجبار، والمتكبر، وغيرها من الأسماء كلها حسنى.
وهذه الآية المراد بها الإنكار على قريش، وفيها دليل على أن من أنكر اسما من أسماء الله فقد كفر لقوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ [الرعد: ٣٠] فسمى الله تعالى إنكارهم كفرًا، وهذا لا شك فيه أن من أنكر اسم من أسماء الله مما ثبت في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي؛ لأنه تكذيب لله ورسوله، ومن كذب الله ورسوله فهو كافر، وقوله: (ولما سمعت قريش) هذا -الظاهر والله أعلم- أنه من باب العام الذي أريد به الخاص، وأنه ليس كل قريش تنكر ذلك، بل طائفة منهم، ولكن الطائفة من الأمة إذا أقرتها الأمة ولم تنكر فهو قول لهم جميعًا، بل إن الله تعالى نسب إلى اليهود في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ما فعله أسلافهم في عهد موسى وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة: ٦٣]، وهل هذا كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في عهد المخاطبين؟ لا.
ثم قال المؤلف: (فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات) يعني: بسبب جحد و(عدم) بمعنى: انتفاء؛ يعني انتفاء الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات، وقد سبق أن الجحد نوعان، ما هما؟
جحد تكذيب وجحد تأويل، فأما جحد التكذيب فهو كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله، وأما جحد التأويل ففيه تفصيل؛ إن كان له مساغ في اللغة العربية فليس بكفر، وإن لا فهو كفرٌ؛ لأن ما لا مساغ له معناه الإنكار.
(ثانيًا: تفسير آية الرعد): وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: ٣٠] هي في الرعد؟
طالب: بـ(الإسراء).
طالب آخر: بـ(الرعد).
الشيخ: بـ(الرعد)؟ متأكدون؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم في الرعد.
(الثالث: ترك التحديث بما لا يفهم السامع) قوله: (ترك التحديث بما لا يفهم السامع) تقدم أن هذا ليس على إطلاقه، وإنما يحدث به العموم -عموم الناس- والذين يُخشى عليهم منه فماذا نصنع معهم؟ نبلغهم إياه بالتدرج وإلا فلا نكتم الحق لعدم فهم الناس له بل الواجب علينا أن نبين الحق، ولكن الذين لا يدخل عقولهم نتدرج معهم به، وإلا فلو أن كل ما أنكره الناس تركناه لتركنا كثيرًا من الأمور العلمية الخبرية والعلوم العملية الحكمية.
لو قلنا: إن الناس الذي لا يبلغ عقولهم أو لا يعرفونه نتركه؛ تركنا كثيرًا من العلوم الخبرية ومن العلوم الحكمية، الخبرية: يعني ما سنده الإخبار، والعملية ما هو معمول به، كثير من السنن يجهلها بعض الناس وينكرونها، نقول: والله لا تفعل؛ لأن الناس ينكرون، أو نقول: افعل وتدرج بالناس، هذا هو الحق.
مثال ذلك في الأمور العملية: بعض الناس يقول: لا تسجد للسهو بعد السلام؛ لأن الناس يستنكرون ذلك، إذا استنكروا ذلك ندع السنة؟ بل إنهم إذا استنكروا ذلك كان فعلها أوكد مما لو كانوا يُقرون بذلك؛ السبب؟ لوجوب البيان حينئذ؛ لأن بيان السنة واجب، بيان السنة غير العمل بالسنة؛ يعني يجب أن تُبين السنة، لكن العمل بالسنة سنة ما هو واجب، فإذا ماتت هذه السُنة وجُهِلت بين الناس وجب علينا أن نفعلها -نحن طلبة العلم- حتى تتبين للناس، ثم من شاء فعلها وأُجِر، ومن شاء لم يفعلها ولا وِزْر.
إذن قول علي: حدثوا الناس بما يعرفون ، وقول المؤلف -رحمه الله: عدم التحديث بما لا يفهم السامع، ماذا نقول فيه؟ هو على إطلاقه؟ ليس على إطلاقه.
يقول: (الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله) ذكر العلة في عدم التحديث، وهو أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، من الذي يكذب الله ورسوله؟ هو الذي لا يَبْلغ عقله ما حُدِّث به فيكذب، ويقول هذا غير ممكن، وهذا كما يوجد في أشياء كثيرة مما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون يوم القيامة،كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَخُبْزَةٍ فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَكَفَّؤُهَا بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ الْإِنْسَانُ خُبْزَتَهُ ، وما أشبه ذلك.
كما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر، مثل هذه الأمور لو حدثنا بها إنسانًا عاميًّا كالعادة ما يصير، لكن يجب أن تبين له بالتدريج حتى يتمكن من عقلها، مثل ما نعلم الصبي شيئًا فشيئًا.
قال المؤلف: (أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكِر) ويش لون (ولو لم يتعمد)؟ يعني المنكر لما كذبها ما هو يقصد تكذيب الله ورسوله، لكن يقصد أن نسبة هذا الشيء إلى الله ورسوله كذب، خدوا بالكم من الفرق، أن يُكذب، قد لا يتعمد المنكر الذي لم يبلغ عقله هذا الشيء ما يتعمد أنه يكذّب الله ورسوله نفسهما لكن يكذّب نسبة ذلك إلى الله ورسوله، نسبة ذلك ويقول هذا ما يمكن.
وهنا فرق بين الأمرين أو لا؟ هنا فرق، هذا ما كذَّب الله، ما قال: نعم، الله قال كذا، لكن هذا كذب. أو: الرسول قال هذا ولكن كذب. قال: لا، ما يمكن يقوله الله ورسوله. يريد أن يكذب نسبة ذلك إلى الله ورسوله، ولهذا قال: (ولو لم يتعمد المنكِر) هو ما تعمد أن يكذب الله ورسوله، لكنه كذَّب نسبة ذلك إليهما، وهو بالتالي يعود إلى رد هذا الخبر عن الله ورسوله.
(الخامسة: كلام ابن عباس لمن أنكر شيئًا من ذلك: وأنه أهلكه) أو (أنه هلَكه) يعني إنكاره كلام ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ما فرق هؤلاء يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه ؛ يعني أن المحكم يلينون عنده ويقبلونه، وأما المتشابه فإنهم يهلكون عنده، هذا كلام ابن عباس رضي الله عنه.
طالب: (...).
باب: قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}
00:40:18

الشيخ:
ثم قال المؤلف: (باب قول الله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا [النحل: ٨٣]) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِهل المراد يعرفون أن هذه نعمة؟ أو يعرفون أن النعمة من الله؟ هذا هو المراد، أما كونهم يعرفون أن هذه نعمة فقط يعرفون، لكنهم (...) يعرفون أن هذه من الله، (نعمة) مضاف و(الله) مضاف إليه من باب إضافة الموجَد إلى الموجِد، هم يعرفون أن النعمة من الله، يعرفون ذلك لكنهم ينكرونها بما سيذكر في تفسير الآية.
وقوله: نِعْمَتَ اللَّهِهي واحدة والمراد بها الجماعة؛ يعني: ليست فردًا، بل هي لا تُحصى، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، وقد مر علينا في القواعد الأصولية أن المفرد المضاف يفيد العموم، الدليل مثلنا به: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا.
وقوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا [النحل: ٨٣] أي: ينكرون إضافتها إلى الله بكونهم يضيفونها إلى السبب، يضيفونها إلى سببها متناسين المسبب؛ وهو الله سبحانه وتعالى، هذا معنى قوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، فيقولون مثلًا: ما جاءنا ولد، ما جاءنا مطر، ما جاءنا صحة، ما هم يقولون هكذا، لكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله؛ إلى سببها، متناسين الخالق الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب.
يقول المؤلف: (الآية) ويش معنى (الآية) يعني: إلى آخر الآية، وهي منصوبة لفعل محذوف تقديره: أكمل الآية، قال: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل: ٨٣] أو الكاذبون؟
طلبة: الْكَافِرُونَ.
طالب: مكتوبة عندنا.
الشيخ: مكتوبة وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَيعني: أكثرهم الكافرون الذين كفروا بالله عز وجل، وقوله: وَأَكْثَرُهُمُبعد قوله: يَعْرِفُونَفي الجملة الأولى أضافها إلى الكل، وفي الثانية أضافها إلى الأكثر؛ وذلك لأن منهم من هو عامي ما يعرف ولا يفهم، لكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون بذلك، ما مناسبة هذا الباب للتوحيد؟
مناسبته ظاهرة أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره فقد جعل معه شريكًا في الربوبية، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات، وترك الشكر منافٍ للتوحيد؛ لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم سبحانه وتعالى، فصارت لها مساس، أو لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة.
فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو عبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية، قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل هذا مالي ورثته عن آبائي. مجاهد هو إمام (...) في التابعين، عرض المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما، يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها ، قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . يعني: فهو كافيك، ولكن مع ذلك ليس هو معصومًا من كل شيء، قد يَخْطَأ كما يَخْطَأ غيره من الناس، ولكن يقول: هو قول الرجل دون المرأة هذا من باب التغليب والتشريف أيضًا؛ لأن الرجل أشرف من المرأة.
قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي، هذه الكلمة بظاهرها ما فيها شيء، لو قال لك واحد: منين لك هذا البيت؟ ها البيت لك ولّا مستأجره؟ قال: لا، هذا بيتي. منين؟ ورثته عن آبائي فيها شيء دي، هذه ما فيها شيء، هذه خبر محض، لكن مراد مجاهد: إذا أضاف تملك هذا الشيء إلى السبب -الذي هو الإرث- متناسيًا المسبب الذي هو الله، إرثك إياه بأي وسيلة؟ بشرع الله عز وجل، حيث شرع أن ترث ما خلفه آباؤك، فإذن تحصيلك إياه بحولك وقوتك؟ لا، ولكنه بشرع الله عز وجل وبتقديره بالنسبة لآبائك، آباؤك لولا أن الله سبحانه وتعالى أنعم عليهم به وملكوه ما حصلوه، وأنت لولا أن الله شرع لك إرثه ما حصّلته.
ولهذا لو كان فيك مانع من موانع الإرث ما حصّلت هذا، فتبين أن وصول هذا المال إليك من الله وإلى الله، من الله تعالى؛ لأنه هو الذي أوجد ذلك البيت ويسر لآبائك ملكه، وإلى الله يعود إلى حكمه؛ لأنه هو الذي حكم بأن مال آبائك ينتقل إليك بالإرث، فكيف تتناسى المسبب سبحانه وتعالى بالأسباب القدرية والأسباب الشرعية، وتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم، هذا من هذه الزاوية صار نوعًا من كفر النعمة.
أما إذا كان الإنسان قصده مجرد الخبر؛ كما مثلنا في الأول: رجل سألك هل هذا البيت الذي أنت فيه مستأجر أم لا؟ فقلت: لا، هو ملكي. من أين جاءك؟ ورثته من آبائي. ما فيها شيء، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قيل له يوم الفتح: ألا تنزل؟ أو قيل: أتنزل في دارك غدًا؟ فقال: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ رِبَاعٍ» ، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن هذه الدور انتقلت إلى من؟ إلى عقيل بالإرث، وبهذا تبين أن هناك فرق بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر، وبين إضافته إلى سببه متناسيًا المسبب وهو الله عز وجل.
(وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا) هذه أيضًا مثل الأولى، يطلقها الإنسان تارة يريد بها الخبر ويطلقها الإنسان مريدًا بها بيان السبب متناسيًا المسبب حطيتوا بالكم؟ فإذا أطلقها مريدًا بها الخبر وكان الخبر مطابقًا صحيحًا صدقًا فهي كلمة لا بأس بها، ما فيها شيء، لولا فلان لم يكن كذا، ما فيها شيء.
وإذا قصد السبب: لولا فلان لم يكن كذا، إذا قصد السبب فإننا ننظر أولًا هل هذا السبب صحيح أم لا؟ إن كان غير صحيح فهو باطل ونوعٌ من الشرك، كما لو قال: لولا الولي فلان -وهو مدفون له عشرات السنين- لم يكن كذا. نقول: هذا شرك باطل؛ لأن فلانًا المدفون لا يكون سببًا في جلب النفع أو دفع الضرر عنك، ونسبة ذلك إليه شرك، وعلى هذا فيكون شركًا أكبر؛ لأنه جعله مدبرًا مع الله عز وجل، إذ أن الميت ما يُنسب إليه شيء، إلا لأن الناسب يعتقد أن له تصرفًا في الكون، تصرف سري خفي.
وإن أضافه إلى سبب صحيح ثابت بالشرع أو بالحس يجوز ولّا لا؟ يجوز بشرط ألا يجعل السبب مؤثرًا، فإن جعل السبب مؤثرًا فإنه يكون من الشرك هذه اثنين، الثالث: أن يضيفه إلى سببٍ غير شرعي لكنه ليس سببًا سريًّا خفيًا كمسألة الميت، فهذا شرك أصغر مثل التمائم والتولة وما أشبه ذلك إذا لم يعتقد أنها فاعلة بنفسها، فإن أعتقد أنها فاعلة بنفسها فإنه لا يجوز.
فتبين بهذا الآن أن قول الإنسان: لولا كذا لم يكن كذا نجعله أولًا قسمين: إما أن يكون خبرًا أو سببًا إن كان خبرًا، فإن هذا لا بأس به إذا كان صدقًا، إذا كان صدقًا مطابقًا للواقع فهو صدق.
الثاني: أن يجعله سببًا، وهذا له ثلاث حالات:
إما أن يكون هذا سببًا خفيًّا لا تأثير له إطلاقًا، كأن يقول: لولا الولي فلان ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا تصرف في الكون، إذ أنه ميت، فهذا تصرف سري خفي.
الثاني: أن يضيفه إلى سبب شرعي أو إلى سبب صحيح ثابت شرعًا، ما تقولون؟ هذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه أو أن يتناسى المنعم بذلك، وهو الله.
الثالث: أن يضيفه إلى سبب ظاهر لكنه لم يثبت كونه سببًا لا شرعًا ولا حسًّا، فهذا نوع من الشرك الأصغر مثل التولة والقلائد، (...) بها، بعض الناس يقولون: هذه تدفع العين، وما أشبه ذلك، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه ما ثبت لا شرعًا ولا حسًّا.
وقد تقدم لنا أن وجه كونه شركًا هو أن هذا الإنسان أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا فكان مشاركًا لله سبحانه وتعالى في إثبات الأسباب، والله تعالى لم يجعلها سببًا لا شرعًا ولا كونًا، ويدل على هذا التفصيل أنه ثبت إضافة لولا إلى السبب ثبت بقول الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال: في عمه أبى طالب: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، قال: «لَوْلَا أَنَا» النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه أبعد الناس عن الشرك، وأنه أخلص الناس توحيدًا لله عز وجل، ومع ذلك قال: «لَوْلَا أَنَا» فأضاف الشيء إلى سببه، لكنه سبب حقيقي شرعي ولّا لا؟
نعم، سبب حقيقي شرعي هو أنه أُذن له في الشفاعة لعمه أبي طالب بأن يخفف الله عنه، فكان -والعياذ بالله- في ضحضاح من نار عليه نعلان يغلي منهما دماغه لا يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا؛ لأنه لو يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه هان عليه بالتسلي، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر قالت:
وَلَـــــوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِــــــينَ حَـــــــوْلِي عَلَى إِخْـــــــــــــــــــوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَـــــــــا يَبْكُــــــــونَ مِـــــــــــــثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُسِلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

فالحاصل أن إضافة الشيء إلى سببه الشرعي الصحيح هذا ما فيه بأس، ابن القيم -رحمه الله- وإن كان قول العالم ليس بحجة لكنه يستأنس به، ابن القيم قال في القصيدة الميمية وهو يمدح الصحابة قال:
............................. وَلَوْلَاهُمُ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مُسْلِمُ
وَلَـــــوْلَاهُمُ كَــــــادَتْ تَمِيـــــــــدُ بِأَهْلِــــــهَا وَلَكِــــــنْ رَوَاسِيـــــــهَا وَأَوْتَادُهَـــــــا هُــــــمُ
وَلَــــوْلَاهُـمُ كَـــــانَتْ ظَـــــلَامًا بِأَهْلِـــــهَا وَلَكِــــــــنْ هُــــمُ فِيــــــــهَا بُـــدُورٌ وَأَنْجُــــــمُ

فأضاف هذا إلى سببه الصحيح، ولا شك إنه لولاهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في معية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لا استضاءة لهم إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: (...).
الشيخ: هذه الأنواع سبق لنا أننا قلنا: إذا قصد أن تكون ظرفًا فلا بأس.
وأما سببًا إن كان يقصد أنها فاعلة بنفسها فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب شرك أصغر.
(وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) أعوذ بالله، ها دولا أخبث من الأولين (يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) هؤلاء مشركون يقولون: آلهتنا يعبدون غير الله، ثم يقولون: إن ما حصل لنا من النعم بشفاعتها، اللات شفعت عند الله أن ينزل المطر فنزل، العزة شفعت عند الله أن ينزل المطر فنزل، فيقولون: إن هذه النعم بشفاعة آلهتنا، ما يقولون: بآلهتنا؛ لأنهم هم لا ينكرون توحيد الربوبية، لكن يقولون: بشفاعتها.
نقول: هؤلاء أثبتوا سببًا باطلًا مع كونهم مشركين، وهذا السبب الذي أثبتوه من أبطل الأسباب؛ لأن الله عز وجل لا يقبل شفاعة آلهتهم، قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: ١٠٩]، والله عز وجل لا يأذن لهذه الأصنام بأن تشفع لعابديها.
طالب: الشرك الأصغر (...) مات الإنسان وفيه شرك أصغر، (...) يغفره الله عز وجل (...).
الشيخ: هذا فيه خلاف بين أهل العلم، وشيخ الإسلام يقول: إن الله لا يغفره لعموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ١١٦] وبعض العلماء يقول: إن المراد بالشرك في الآية الشرك الأكبر، هو على كل حال المشرك ولو شرك أصغر على خطر، ولكن الشرك الأصغر أعظم من الكبائر كما قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقًا .
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] ما يمكن (...) عام.
طالب: والراجح (...).
الشيخ: والله أنا إذا نظرت إلى إطلاق الآية: لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِيترجح عندي ما قال الشيخ رحمه الله، وإذا نظرت إلى أن هذا دون الشرك الأكبر؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦] وقال في الآية الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨]، فهذا يدل على أن المراد بالشرك الشرك الأكبر، فأقول: إن المشرك شركًا أصغر على خطر، ويجب عليه أن يتوب.
وقال: (يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) إذن هذا أبطل من الذي قبله؛ لأن فيه محظورين: إثبات سبب ليس بصحيح، والثاني: الشرك بهذه الأصنام، وهذا من أكذب ما يكون من القول.
(وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه) إلى آخره، (قال أبو العباس) هو شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله، سُمي بذلك؛ لأن له ولدًا اسمه العباس دفن إلى جنبه، كما عند المسجد الأموي، إذا أتيت إلى المسجد الأموي قالوا لك: هذا أحمد ابن تيمية، وهذا قبر ابنه إلى جنبه، كأنه وُلد له من غير زوجة، أو لا؟ إذن العباس ولدهُ؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، هذا كذب، شيخ الإسلام ما تزوج -رحمه الله- فهو مكنى بهذه الكنية لكن بدون أن يكون له ولد، وهذا شيء لا شك فيه من الناحية التاريخية.
(قال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ...» الحديث، وقد تقدم) وين تقدم؟
طلبة: (...).
الشيخ: في الأنواء، نعم.
يقول: (وهذا كثير في الكتاب والسنة)، (وهذا) المشار إليه إثبات الكفر لمن أضاف النعم إلى السبب متناسيًا المسبب، أو إلى سبب غير صحيح كما في الاستسقاء بالأنواء، فإن هذا السبب غير صحيح.
يقول: (وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به) وهذا الذي يضيف إنعام الله إلى غيره مستحِق للذم؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، مستحق للذم، لو أتى إليك عبد فلان بهدية منه؛ من فلان، فشكرت العبد دون السيد ويش يعتبر هذا؟ سوء أدب مع السيد، وكفران لنعمة السيد، ونسبة هذا المملوك إلى سيده أكثر من نسبة الأسباب إلى الخالق عز وجل، فإذا أضفت الشيء إلى السبب دون الخالق فهذا أقبح مما إذا أضفت هذه الهدية إلى العبد دون سيده، وهي من سيده، والله عز وجل هو الخالق للأسباب، فلا تضف النعم إلى أسبابها، لماذا؟ أولًا: لأن خالق السبب من هو؟
طلبة: الله.
الشيخ: فكان الواجب هو الذي يُشكر وتُضاف النعمة إليه. ثانيا: أننا نجد الأسباب قد لا تؤثر.